المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكاية الحوت مع يونس عليه السلام


اميرة عبد الدايم
09-30-2015, 08:00 PM
حكاية الحوت مع يونس عليه السلام
قال الحافظ ابن الكثير رحمه الله :
بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى من أرض الموصل ، فدعاهم إلى الله عز وجل فكذبوه، وتمردوا وظلوا على كفرهم وعنادهم ، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم ، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.
فلما خرج من بين ظهرانهيم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة واﻹنابة ، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم ، فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، ثم عجوا إلى الله عز وجل وصرخوا وتضرعوا إليه وتمسكنوا لديه ، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات واﻷمهات ، وجأرت الأنعام و الدواب و المواشى ، فرغت اﻹبل وفصلانها ، وخارت البقر وأولادها ، وثغت الغنم وحملانها ، وكانت ساعة عظيمة هائلة .
فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان اتصل بهم سببه ، ودار على رؤوسهم كقطع الليل المظلم.
ولهذا قال تعالى : ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ) يونس : 98 . أي هلا وجدت فيها سلف من القرون قرية آمنت بكاملها ، فدل على أنه لم يقع ذلك ، بل كما قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) سبأ : 34 .
وقوله تعالى : ( إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ) يونس : 98 . أي آمنو بكاملهم.
ومضت الايام الثلاثة التي وعد بها يونس قومه ، فجاء ينظر موعود الله فيهم ، ولعله كان معتزلا لهم ، لم يدر بما فعلوه من التوبة واﻹنابة، فوجودهم لما أطل عليهم سالمين ، فأغضبه ذلك ، وكان جزاء الكاذب عندهم أن يقتل ، فخرج هاربا من قومه ، خشية القتل .
وسار حتى شاطئ البحر ، ويبدو من التأمل في نص الحديث أن خروجه لم يكن بإذن الله تعالى، ولذا وصفه الله تبارك وتعالى في حالة تلك بأنه كان آبقا، اﻵبق هو العبد الهارب من سيده ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) الصافات : 139-140 .
والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه، ركب سفينة في البحر فلجت بهم ، واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها ، وكادوا يغرقون.
قالوا : فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا ، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه.
فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به ، فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا ، فشمر ليخلع ثيابه ، ويلقى بنفسه فأبوا عليه ذلك ، ثم أعادو القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا ، لما يرده الله به من اﻷمر العظيم قال الله تعالى : ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ) . وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقى في البحر ، وبحث الله عز وجل حوتا عظيما من البحر اﻷخضر فالتقمه و أمره الله تعلى ألا يأكل لح لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق ، فأخذه فطاف به البحار كلها .
قالوا : ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات ، فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حى فخر لله ساجدا وقال : يارب .. اتخذت لك مسجدا في موضع لم يعبدك أحد في مثله .
ولما جعل الحوت يطوف به في البحار وإذا بيونس ( عليه السلام ) يسمع تسبيح الحيتان للرحمن بل وسمع تسبيح الحصى لفالق الحب و النوى ، ورب السماوات السبع وما بينهما و تحت الثرى ، فعند ذلك وهنالك ، قال ما قال بلسان الحال والمقال ، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال . الذى يعلم السر و النجوى ، ويكشف الضر والبلوى ، سامع اﻷصوات وإن ضعفت ، وعالم الخفيات وإن دقت ، ومجيب الدعوات وإن عظمت ، حيث قال في كتابه المبين ، المنزل على رسوله اﻷمين ، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ) سورة الانبياء : 87 . أي ظن أنه لن نضيق عليه . ( فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ ) قال ابن مسعود : أي ظلمة الحوت وطلمة البحر و طلمة الليل . ( أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) قال أنس رضى الله عنه : إن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت ، فقال اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فأقبلت الدعوى تحن بالعرش ، قالت الملائكة : يارب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة فقال فقال الله تعالى : أما تعرفون ذلك قالوا : يارب ومن هو ؟ قال عز وجل : هذا عبدى يونس قالو عبدك يونس الذي لم يزل يُرفع له عمل متقبل ، ودعوة مستجابة قالوا يا رب أولا ترحم ما كان يضع في الرخاء فتنجيه في البلاء ، قال : بلى فأمر الحوت فطرحه في العراء .
قال تعالى : ( فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ ) الصافات : 145 . أي في أرض لا نبات فيها .. وهو سقيم ضعيف البدن كهيئة الصبى حين يولد. ( وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ) الصافات : 146 . قال ابن عباس : هو القرع.
ـ ( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) سورة الانبياء : 188 . قال الشنقيطي رحمه الله : يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعياً بإخلاص ، إلا نجاه الله من ذلك الغم ، ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا … وقد داء في حديث مرفوع عن سعد ابن أبي وقاص (رضى الله عنه) : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء يونس المذكور : (دعوة ذى النون إذا عا بها وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل في شيء قط إلا استجاب الله له ).
واﻵية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى ، ﻷنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاء المؤمنين وقوله ( نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى .