المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحت السور


فارس
08-23-2016, 03:46 PM
كان يجلس في ذهول، تلهيه هالة الأضواء والأجواء الغريبة لقاعة التّصوير عما يدور من حديث داخل ” الأستوديو ” . نظراته المبهمة، الهائمة مثّلت أبلغ تعبير عن سذاجة الطّفولة المقهورة .

استهوته آلات التّصوير الكثيرة وأشكالها المتنوّعة الغريبة، أبهرته فخامة الأثاث، تمنّى لو كان لهم في البيت أريكة مريحة كالتي يجلس عليها الآن، كان سيتسنّى لوالدته النّوم في راحة، دون أن تنغّص ليلتها آلام الظّهر اللّعينة.

تسرقه أحلام اليقظة، تأخذه في رحلة لذيذة، يتخيّل هذا المكان ملكا له، يتخيّل نفسه وقد صار رجلا بشاربين كثّين، جالسا خلف هذه الآلات الخرافيّة يحركها و يكلّم من حين لآخر سيّدة جميلة كالتي تجلس أمامه الآن .

تطير به الأحلام، ينسى خجله لدقائق لكن لغط الجمهور يأتي من حين لآخر فيوقظه ليعيده إلى واقعه المرير، يحاول أن يسأل أمه عن سبب قدومه إلى هذا المكان، لكنها تنتهره بلطف، تسكته بوخزة صغيرة هامسة في أذنه ” تأدّب يا بنّي، الناس يشاهدوننا، كن عاقلا … ” . هي أيضا يحتلّها الخجل، ماذا ستجيبه إن أصر على سؤاله، جئنا هنا لنتسوّل، نفضح آلامنا أمام آلاف البشر على المباشر، ترى هل سيغفر لها حين يكبر؟ هل سيتفهّم معاناتها ؟ تهاجمها أسئلة بغيضة لكنها مع ذلك تخفي حرجها وتواصل حوارها الثقيل مع المذيعة بينما طفلها يغوص في أحلامه، محاولا لجم فضوله والإكتفاء بإمتاع نظره .

فجأة تضع أمّه المصدح بين يديه وتباغته السيّدة الأنيقة بسؤال غريب لم يعتد سماعه ” أحمد … قل لي ماذا تريد ، ما الذي ينقصك …”، السؤال مفاجئ، غريب أمر هذه السّيدة، تفحّصها بنظرة سريعة، أنيقة وجميلة، جذبه لمعان السّاعة في معصمها وبشرتها البيضاء السّاحرة . ظل صامتا لبرهة لكنّها ألحّت عليه ” أحمد تكّلم، لا تخجل، ما الذي تريده، ما هي الأشياء اللتي تحبّها ؟ ” . ” ماذا تريد، ماذا تحب، ما الذي ينقصك ؟ ” هو يريد أشياء كثيرة، تنقصه أشياء كثيرة، ترى هل يستسمحها اللّعب بتلك الآلات الغريبة، هل يطلب منها أخذ الأريكة كي يخفف من ألم والدته، هل يصارحها بأنّه يريد تقبيلها ويشتهي أن يملك في يوم من الأيّام ساعة لامعة مثل ساعتها .

إنساب مع سيل أمانيه المكتومة لكنّ خاطرا ثقيلا نغّص تفكيره البريء، تذكّر كلمات معلّم الرّياضة حين نهره ومنعه من اللّعب في حصّته نظرا لأنه لا يملك حذاءا رياضيا، تذكّر نظرات الشفقة في عيون زميلاته وعبارات السّخرية التي نبس بها الصبية وهم يشيرون إليه ويغيظونه، تذكّر الوقوف المهين تحت سور الملعب، حابسا دمعه، كاظما حقده مصطنعا عدم المبالاة أمام أصدقائه .