المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)


فارس
01-07-2017, 10:53 PM
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)

استوي استواء يليق بجلالة ويتناسب مع كماله، لا يشبهه استواء المخلوق الناقص القصير؛ لأن الله أحد في ربوبيته وألوهيته واسمائه وصفاته وأفعاله، فاستوي هنا بمعني علا وصعد، وانظر إلى عظمته في هذا الاستواء فإنه سبحانه وتعالي فوق فله علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر ، علا فقهر، وحكم فقدر، واطلع فستر، وعلم فغفر ، وانظر إلى اسم الرحمن وما فيه من صفة الرحمة العامة الشاملة، واختار عن هنا هذا الأسم؛ لأن رحمته غلبت غضبه، فهو رحمن بالدنيا والآخرة، واستوي يدبر ملكه ويصرف خليقته، فهو بائن من خلقه بذاته، ليس في ذاته شي من مخلوقاته وليس في مخلوقاته شيء من ذاته، وهو بعلمه مع خلقه، وبحفظه مع أوليائه يعلم ويبصر، ويسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويعلم ويري حبة الخردل في الصخرة الملساء، ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا تلفظ من همسة إلا يسمعها ، وما تدب حركة إلا يطلع عليها، يعلم السر وأخفي من السر، ويعلم ما يكون وما هو كائن،وما لم يكن لو كان، كيف يكون.

على العرش استوي يخلق ويرزق، ويقضي ويحكم، ويقدم ويؤخر، ويعز ويذل، ويولى ويعزل، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحوله مكان ولا يحد بزمان، أخذ بالنواصي وملك الرقاب، نصر أولياءه، وسحق أعداءه، من أحبه قربه، ومن حاربه خذله وأدبه، ترفع إليه المسائل ،وتصعد إليه الحاجات، وترفع له الأعمال ، وتحصي لديه الأقوال ، وتكشف عنده الأحوال، يحفظ من في البر، ويرعي من في البحر، يطعم الجائع، ويسقي الظمآن، ويكسو العاري، وينجي الملهوف ويعطي المسكين ، ويكشف الكرب، ويزيل الخطب، ويسهل الأمر الصعب، ويغفر الذنب، ويقبل التوبة.

على العرش استوي، بني السماء ، وبسط الأرض، وقدر الأوقات، واوجد المخلوقات، وبعدما طحي ودهي وأرسي الجبال، ومهد الفجاج، وأخرج الماء والمرعي، ووهب الأرزاق، وقدر الآجال، وكتب المقادير، وأحصي كل شئ عدداً، خلق الخلق بحسبان، أتقن صنعه، واحسن خلقه، وأبدع موجوداته، واستوى على العرش ليتفرد بالملك وحده، وعلو القهر والقدر وحده، فليس له شريك في ربوبيته، ولا نديد في ألوهيته، ولا شبيه أو مثيل في أسمائه وصفاته، من نازعه الملك محقة، ومن نازعه الكبرياء والعظمة قصمه.

وانظر إشراقة الكلمات الثلاث وجمالها وفخامتها وهي: الرحمن، والعرش، واستوى.

فالرحمن : إعلام لعباده برحمته مع فوة قهره وعلو قدره، ثم هي على صفة المبالغة لعموم الرحمة وعظمتها، والعرش: سرير الملك مع ما في هذه الكلمة من عزة وجبروت وقوة وجلال، وكلمة استوي: فيها من معاني العلو والرفعة والشرف والسؤدد والمجد ما يفوق الأوصاف، ويعجز العقول، ويحير الأفكار ، فسبحانه من ملك جبار، ومن عزيز غفار.

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون* وسلام على المرسلين* والحمد لله رب العالمين.