أهلًا و سهلًا بكـ يشرفنا تسجيلك و مشاركتك معنا .

 

 



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-12-2016, 05:05 AM
فارس فارس غير متواجد حالياً
خبير
 
تاريخ التسجيل: Aug 2016
المشاركات: 37,047
افتراضي قَشٌ ثَلْجِيْ ..~ | أقصوصة

أَمسَكَت يده الباردة المِقبض المشوي من قِبلِ الشمس الغاضبة ، لكن عقله المشوشَ لم يهتم هذه المرةَ بالحرارة الهائمة .
كانَ يودُ لو أنه فقط يستسلم ، أو يسقطُ من مكانهِ ، لم يمتلك القدرة حتى على التفكير بالهرب!
تَبَعثرَ الشابُ في مشيتهِ ، حتى أسقطَ جَسَدهُ النحيف بأكمله على اريكتهِ البيضاء المريحة ، لم يهتمَ بحقيبةِ عملهِ التي سَقَطت في مكانٍ مجهول ، جُل تفكيرهِ كان بِجمالِ حركةِ عظامهِ الانسيابيةِ المريحة .
أحسَ بعد ثوانٍ بأنه جالسٌ في حرارةٍ تتخطىَ الأربعين ، كان عقلهُ يتمنى هامسًا أن يَعملَ التكييَف لوحده ، عينيهِ ترجتاهُ ألا يفتحهما إلا بعد بضعةِ ساعات ، ورجليهِ اعتزلتا المشيّ ؛ فقد أنهكهما صبيحة اليوم .
شَكَ لوهلةٍ أنَ جاذبيةَ الأريكة تفوق الأرض ، تساءَلَ دِماغهُ : " لِمَ لا تدور الكواكبُ حولها بدلًا من الشمس ؟!"
ألتفَ بجسدهِ لينظرَ للنافذةِ الزجاجية ، غير آبهٍ بظهورٍ جزءٍ من بطنه بسببِ حركته .
حَرَكَ كفه ليَرفعَ خصلات شعره الطويلةِ المتسللة لوجههِ ؛ فهي تزيد الحرارةَ عليه .
حَكَ بشرتهُ البيضاء التي تناثرت فيها البثورُ ، وأخذَ يتمعنُ فيما هو خلفَ النافذة ..
أولَ ما لفتَ مُقلتهُ الخضراء هي الأشجارُ العملاقةُ التي تَتراقصُ أوراقها مع الرياح الحارقة ، تساءَلَ لوهلة بعيدًا عن هذا ، هل جزيئات الغبار الملتفةِ حولها تَتصافح مع بعضها البعض ؟ أو أنها لا تستطيعُ تركَ بعضها من الحبِ فتناقلت مع الرياح ؟
وتلكَ ، السماء الزرقاء ، ألم تملَ منّا ؟
فَكَرَ في نفسهِ ، كيفَ تَتَحملُ تقلباتَ الجو دونَ أن تتأثر في كيانها ؟ لِمَ لم تستاء منّا بعد ؟
أدْخلَ لرئتيهِ جزءًا ليسَ بصغيرٍ من الأكسجين ، كان قد أدركَ بأنه أدخل نفسهُ لعوامةِ تفكيرهِ ما قبلَ نومه!
هكذا هوَ ، يظنُ أن الإبداع في الفكرِ يكونُ في هذه الفترة ، فقط ، وفقط!
خَشِيَ النومَ ، فأعادَ بصرهُ للبحثِ ، لكنَهُ أرتكزَ في السقف الحليبيّ ، تجاهلَ صيَاحات أطفالِ جيرانه ، وترجمها عقلهُ على أنها لحنٌ براق !
شكَ في نفسه ، أيرقصُ جسده يمنةً ويسرة ؟ أم أنها فقط روحه من تمتلكُ الطاقةَ لفعل ذلك ؟
تَرَكَ زِمامَ الأمور ، هذه مرحلةٌ ليست بطيبةٍ ، عليهِ النوم ! وهو يعلم بهذا ، لكنهُ فَضَلَ أن يسألَ روحهُ أسئلةً غبية ، أو ذكية ؟ لمْ يعلمْ أيهما هي الإجابة الصحيحة ..
أهوَ يسقط؟!
هو يفعل ؟! أرتاب ورَفعَ ظهرهُ المستسلم ، نَظَرَ حوله لثانيتين قبلَ أن يُغلقَ عينيهِ ، أهذا سواد ؟!
لِم يشعرُ وكأنه سيسقطُ لألف ميلٍ أكثر ؟!
الغريبُ هو ، أنه لم يحبب أن يغير من وضعية جسده أكثر ، حَارَبَ الهواء ، مقاومتها وكل ذلك الهراء ، وأنبطح !
شعرهُ الشوكولاتيّ ، يتناثر حولهُ كما لو أنه يتراقصُ ، مَدَ يده لسببٍ جهله ، ولم يفهم !
تمتعَ بوقوعهِ لدرجةِ أنهُ أفتتحَ عينيهِ الخضراوتيّن لوقتٍ أطولَ من ثلاثِ ثوانٍ – وهذا إنجاز في وضعهِ هذا بالنسبةِ له- !
أهوَ يستمتع فعلًا ؟ لحظة ، منذ متى تحولت الحرارة الشاوية لأخرى ناعمةٍ لطيفة ؟!
رَدَ عقلهُ : " منذ أن سَقَطتَ ! "
شُوش نظرهُ ، الأمر يروقُ له ، الوضعيةُ مريحةٌ للنوم !
دوى صوتٌ شكَ سامعيهِ أنه انفجار هيروشيما الحديث ، وهو لم يكنْ سوىَ اصطدامه بالأرضيةِ الرمليةِ الصلبة !
رَفَعَ ظهرهُ وأفتتحَ عينيهِ مُطلقًا صرخةً من أعماقه ! كان الألم رهيبًا ! رَفَع بِسببهِ جسده العلوي بأكملهِ وأخذ يتنفسُ بقوة !
شَكَ في قدراتِهِ السمعيةِ حينها أنها تختلقٌ أصواتًا، لكنِ ما إن ألتفَ ليسراه حتى صَدَقَها !
صوتُ المياهِ الجاريةِ في شيءٍ ما يشبهُ العجلات ، صحيحٌ أنه لطالما رآها ، لكنه لم يفقهْ يومًا أهميتها !
قَطَب حاجبيهِ ، لا زال متألمًا من سقوطِهِ المفاجئ ، حرَكَ يده لتساندَ رقبتهُ الضعيفة ..
سَحبَ رجلهُ المحميةَ بحذائهِ الأسود ، هل ما حوله هو قش ؟!
قَرَرَ أن يعيدَ أعضاءه المُدمرة للعمل ، علامَ يبدو أنها حالة طوارئ ، لا بأس ، سيريحهم بعد أن ينتهي ..
وقَفَ مُحاربَا ألآمه التي أشعرتهُ وكأنها كُسور ورُضوض ، لكنه سقط !
لم يسقط لأن رجله لم تستطع حمله ، فها هي تقسم له أن الذنبَ ليس ذنبها !
لحظة ، كيفَ فهمَ ما تقولهُ رجله ؟! أصلًا كيف سمعها ؟ كلا لمْ يفعل ! هي لم تنطق !
لم يكنْ يودُ التفكير ، أعتزلهُ تمامًا !
أرتفعَ بهما مجددًا مُرتجفًا ، كان يشعرُ أن هناكَ خطبًا ما ، كانَ يحسُ أن الأرضَ من حولِه تدور ، وأن السماءَ تَتَقلبُ في دقائقَ ما بين صباحِ ومساء !
وَقَعَ مجددًا ! رَغمَ تَعْبِ جسدهِ إلا انهُ عُرفَ بِعنادهِ ، كان يودُ الانتصابَ مجددًا ، لكنَ شيئًا غريبًا وُضعَ على كتفهِ الأيمن ، دار رأسه ، وشعرَ بِبرودةٍ تمتلكهُ بينما وقع قلبه !
سَبِقَ ترجمةُ عقلهِ لما رآه نُطق الشيء الغريب بـ:" لا تقلق هاري ، كلُ شيء على ما يرام ، أستمتع معي برؤيةِ السماء ، وتقلباتها ! "
كان رجلَ قش !
المتحدثُ هو رجلَ قش !! ودّ لو يتكلم هاري ، لكنهُ نظرَ للسماء أولًا ، فوجدَ الشفقَ القطبيَ يُزينها !
جذبتهُ تلكَ الألوانُ البراقة ، تلمعُ في الأفقِ ولا تتوقف ، أهي ترقص ؟ أم هيَ تظهرُ مفاتنها للناس ليعلموا أنهم مهما بلغوا منَ الجمالِ ، سيظلُ هناكَ من هو فوقَ السماء يغلبهم جمالًا ؟
أتلك أطيافُ وجوهٍ بينَ طياتها ؟!
آه لحظة ، كيفَ يرى شفقًا وهو في منطقةٍ ريفية ؟
أبتلعَ ريقه ، أغمضَ عينهُ ثم أفتتحها ، كانت الثلوجُ حولهُ وتغطي جزءًا منه أيضًا !
ألتفَ وراءه ، ليرى رجلَ القشِ تحولَ لآخرَ ثلجي ، ينظرُ لهاري ويبتسمُ بنقاوة ، يومأ له أن أنظر !
رَغمَ غرابةِ أنه لم يشعر بالبرودةِ وهو يرتدي ملابسًا خفيفة ، إلا أنه أعادَ النظر ، كان يُحاول التركيزَ فيما يُعرض بالشفق ، كانوا أصدقاء؟!
أشخاصٌ لم يتعرف على وجوهِهمْ حتى ، كانوا يسألونَ بعضهم عن أحوالهم !
لم يتحمل أسئلةَ عقلهِ ، رَفَعَ جسده غيرَ آبهِ بتبعثره ، كانت الأرضُ لا تزالُ تدور !
توجهَ للرجلِ الثلجي الجالسِ على خشبة، وأمسك ما هو يفترضُ أن تكونَ أكتافه ، علا صوتهُ قليلًا :
- ما الذي يفترض بهذا أن يعني ؟!
لم تَزَل ابتسامته ، تحدثَ بهدوء : ألا يبدون وكأنهم يجسدونَ الحب؟
هَزهُ حتى سَقَطَ بعض الثلجِ منهُ وأتضحَ القش ، صَرَخَ فيه قائلاً :
- جاوبنيّ على سؤالي !
- على مهلك ! أنظر حولك !

تَمسَكَ بالخشبة ، ليسَ ضعفًا إنما الأرض تدورُ بشكلٍ مجنون !
نظرَ حوله ، كانت بعض الثلوج بُدلت برمال الريف واعشابها ، وكذلك السماء !
فقد أقتُطِفَ جزءُ من الشفقِ وَ بُدلَ بسماءٍ صافية !
- كان يفترض ألا تهزني ، لأنكَ ستوقعُ نفسكَ في دوامةٍ لانهاية لها !
كان عقلُ هاري يحاولُ أن يفهمَ نفسه معنى كلامه ، بشكلٍ ما ، ظنَ أن السماء ستعطيهِ حلًا ، فحدقَ فيها ، النجومَ كانت متكاثرةً بشكلٍ لم يعهدهُ من قبل !
شعرَ برأسهِ يضيق ، نوبةُ ألمٍ غريبة ، شعرَ أن روحهُ تدورُ بشكلٍ لا نهائي !
كأن رأسه يفيضُ بمعلوماتٍ ويسعى لأن ينفجر !
الأرضيةُ تدور بشكلٍ أسرع ، السماءُ تَتَبددُ والثلجُ يذوب ، الحرارةُ تزداد ، بشكلٍ ما ، حسّ أنها تزيدُ لتحطمه!
كان دائخًا مع حركةِ الأرض ، رغبةُ التقيؤ هاجمته لكنه يحاولُ الانتصار عليها !
أمسك رأسه مُسرعًا ، شعور انفجاراتٍ متتالٍ هَجَمَ عليه ، يُحرضهُ أن أصرخ !
أصواتٌ تتداخلُ لعقلهِ وتصرخ بلا توقف ، حتى صرخَ هو !
ما إن صرخ ، حتى تحطمت قُطعُ من السماء ، تسقطُ وكأنها قُطعُ زجاج ، كان مرتبكًا ، متوترًا .
ما الذي يحدث ؟
أحسَ برأسهِ وكأنه يثقل ، الضباب يعومُ حواليه ، وسَقَطَ مكانه !

رَفَعَ رأسهُ من الأريكةِ وهو يستشعرُ حرارته ، يحسُ بعرقهِ يسلكُ طريقًا من وجههِ ، أما ظهرهُ فكان مليئًا منه .
تنفسَ طويلًا وتنهدَ أعمق حامدًا الله ، أغمضَ عينيهِ مُتضايقًا من كابوسهِ ومن الحرارةِ القاتلة ، ألتفتَ ليساره ، شَغَلَ التكييف من جهاز التحكمِ الخاصِ به ، ثم غَرَقَ مجددًا في النوم !
__________________
FARES
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:58 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.